الإثنين , يونيو 17 2019
الرئيسية / الأخبار / عرب الجهالين مرارة الهجرة، واحلام البقاء

عرب الجهالين مرارة الهجرة، واحلام البقاء

اشار الى اَلاف الأبنية الجامدة بإنتظام غريب وموحش، متعالية تسد الافق القريب منا، البعيد من الاقتراب اليه، وقال متنهدا ( قبل اثنين وعشرين عاما كنا اطفالا نلعب كرة القدم هناك ، ملعب صغير من التراب حددنا اطرافه ومعالمه بالطبشور الابيض. واليوم لا نحن نستطيع استعادة ذكرياتنا ولا اطفالنا يستطيعون تكرار احلامنا البسيطة). بهذه الكلمات وبنبرة متنهدة وحسرة بائنة افتتح محمد حسن مزارعة ( 36 عاما ) الحديث عن مستوطنة معاليه ادوميم التي شيدت على ارض عرب الجهالين شرقي القدس، ففي العام 1997 قام الجيش الاسرائيلي بهدم بيوتهم المتواضعة من الطوب البدائي والصفيح وبيوت الشعر البدوية القديمة المنتشرة بين المراعي ، وترحيلهم عنوة الى شرقي ابو ديس على بعد 300 م فقط من اكبر مكب لنفايات المستوطنات الصلبة.

اقيم مركز شرطة معاليه ادوميم الاستيطاني بدل مراعي الاغنام، التي تسد رمقهم وتغني بطونهم المتقشفة بلبن وجبن وحليب هذه الارض الطيبة، واستبدل ملعب اطفالهم ومكان لهوهم الوحيد، بساحة للرماية العسكرية، اذ ضحكات الصبية العفوية اصبحت ازيز رصاص لقتلهم، لم تكن هذه هي المرة الاولى، فأهل البادية في القدس الشريف اعتادوا على صلف العيش ومعاناة التهجير منذ الازل، منذ اليوم الذي عبس فيه الاحتلال في سماء ارضنا، فعرب الجهالين هذه القبيلة العربية المتجذرة في ارض فلسطين منذ فجر الانسانية، نزحت في العام 1948 اثر قيام اسرائيل باحتلالها الاول لمسقط رأسهم في منطقة ( عراد ) في بئر السبع جنوب فلسطين، فأستقر بهم المقام في السفوح الشرقية الممتدة من مدينة القدس إلى البحر الميت في الضفة الغربية، كان عددهم يقارب الخمسة عشر الف نسمة، ظنوا ان زمن اللجوء والهجرة قد ولى من غير رجعة، واستظلوا بجوار القدس العربية الى ان احتلتها اسرائيل في حزيران عام 1967 ، فأعلنوا مضاربهم منطقة عسكرية وبدؤوا بترحيلهم الجزئي وبهجرتهم الثانية ظهرت الى العيان مستوطنة معاليه ادوميم في خريف عام 1980.

ليس الصمود بالارض هو جل مقاومتهم، فهم صامدون فيها يحرسون بوابة القدس الشرقية، ويحافظون على تعليم ابنائهم رغم ان التعليم محظور في شريعة الاحتلال، فالطفل في قبيلة الجهالين يذوق الأمرين ليحصل على ابسط حقوقه بالتعليم، ويشير الشيخ عيد الجهالين الى هذه المعاناة قائلا: “كنا نرسل أبنائنا وبناتنا للدراسة في مدارس أريحا، متحملين سوء المواصلات في حر الصيف وبرد الشتاء، يخرجون صباحا ويعودون عند المساء كل يوم، وأضاف “لقد خسرنا خمسة من أبنائنا في حوادث السير، مما دفعنا لبناء مدرسة لأبنائنا بدعم من جمعية ايطالية، هي ليست كمدارسكم – لقد شيدناها بالطين واطارات السيارات – ولم تسلم هذه المدرسة البدائية فطالتهاايدي الاحتلال واستلمنا قرارا بهدمها الذي قد ينفذ بأي وقت” فتكون النتيجة بأن الفتيات غير متعلمات في زمن ودع فيه العالم الامية بصعوبة الطريق والرحيل طلبا لدراسة لغة الاجداد التي تغرسهم في ارضهم.

اما عن سوء الوضع الصحي، فتلك حكاية يتفردون بها، فإن اصيب طفل او عجوز بمرض، عليه السفر بين الجبال حتى يصل الى مركز طبي في اريحا او العيزرية في رحلة من فجر النهار حتى مغيب شمسه.

alt

شربنا القهوة العربية المرة، بقدر ما في حياتهم من بؤس ومعاناة في خيمة المواطن خليل حماد، الذي اعتصر الغصة في وجهه عند سؤالنا له الى اين سيذهب اذا ما نفذت قوات الاحتلال قرار اخلائهم بالقوة ؟ تنهد بعمق واشار الى السماء قائلاً ” الى لجوء اَخر. فلقد اعتدنا الرحيل. ولكن ابدا لن نغادر القدس هذه المرة .. فقط سنلجأ منها واليها و فيها”.

بين بيوت الصفيح تجولنا برفقة مضيفنا، بؤس وشقاء يخيم على المكان، لا أثر يدل على رغد عيش او تفاوت اجتماعي، الجميع يسير بترقب ويأكل بترقب ويضحك بنصف ابتسامة، فلقد اشتاقوا للسعادة بقدر اشتياقهم للأرض ومسقط الرأس أما الاطفال في العابهم قسوة المكان تتجلى، لعبتهم الوحيدة ( عسكر وحرمية ) ، بجهد يحاولون ان يقنعوا بعضهم بأخددور العسكر في اللعبة، على عكس الاطفال كرهوا تقليد العسكر وحركاتهم، فتجذرت في عقولهم البريئة ان كل عسكريقاتل ومشرد ومقتحم للخيمة ليلا. الامتعة القليلة يكسوها التراب لكنها بحزم موثوقة بجانب كل بيت صفيح او خيمة، كأنها تنتظر الرحيل القادم، او لم تسترح بعد من الاقامة الاخيرة هنا.

من شرق الى شرق .. رحلة اللجوء الى الشرق لم تطلعليهم الغياب، ففي عام 1997 بدأت اقسى حملة ترحيل وتهجير لعرب الجهالين، من شرق القدس الشريف الى شرق ابو ديس، هذه المرة ” ارادوها سلمية بخبث وبلئم ” يقول سامي ابو غالية ممثل فصيل فلسطيني في منطقة الجهالين ولكن على حساب اخوة لنا،” فعرضوا علينامبالغ مالية ودونم ارض لكل عائلة ترحل ليسكونها في اراض مصادرة من احدى عائلات ابو ديس، ابدا لن يقبل عربالجهالين، ان يستوطنو في اراض يملكها فلسطيني صودرت منه بالقوة، كما صودرت ارضنا من قبل ” اضاف ابو غالية، فرفضوا العرض حتى باغتتهم شاحنات الاحتلال ليلا تسوقهم الى ارض جرداء فعوقبوا في هذه الكرة مرتين، لصمودهم ولشهامتهم ايضا.

وبدأ مشروع استيطاني جديد يبنى على ركام حياة عشائر القدس من جديد، انها هذه المرة مستوطنة ( كيدار)، مشروع ربط هذه المستوطنة الصغيرة شرق مدينة السواحرة، بالسرطان الاكبرمستوطنةمعاليه ادوميم، لتحقيق مخطط القدس اليهودية الكبرى بحساباتهم الاحتلالية التعسفية، اما على الارض فهذا كان يعني مصادرة 20 الف دونم من اراضي القدس الشرقية، وترحيل اخر لعرب الجهالين.

 

189286-ocha_opt_e1_map_english

وللوضع القانوني للجهالين غرابة ليس لها مثيل فهم يتبعون اداريا وخدماتيا للسلطة الفلسطينية، وامنياً وميدانيا لقوات الاحتلال، فالتعليم والصحة من اختصاص السلطة الممنوعة بقوة الاحتلال من تقديم خدماتها، والبناء والسكن والكهرباء ليس مسموحارغم المحاولات الدائمة لتوفيره، فاضطر السكان لرفع قضايا ضد الادارة المدنية الاسرائيلية، حتى تراكمت الدعاوى وزادت عن تسع عشرةقضية،لم تبت المحاكم الاسرائيلية بها، لتستمر المعاناة بلا استقرار ولا ثبات وبإنتظار هجوم ليل يقتلعهم من صحرائهم التي عشقوها بلا رقيب ولا حسيب.

على طول خمسة كيلو مترات مشينا اسفل العالم او اسفل الحياة،انها الطريق الوحيدة بين مضارب عرب الجهالين المتاحة لصمود 750 فردا فقط من القبيلة التي اصبحت مهددة بالانقراض او التشتت لا فرق بممارسات الاحتلال، اسفل جسر لسيارات المستوطنين، وبجانب عبارة ضخمة للمياه العادمة شققنا الطريق نحو بلدة ابو ديس، اقرب التجمعات السكانية على سفراء الجرح والتهجير، برفقة سامي ابو غالية، حدثنا عنماتقشعر له الابدان، هم ممنوعون من التملك والبناء، لا شبكة هواتف ولا حتى كهرباء.

اليوم يواجهون بحملة جديدة من اخطارات الهدم والترحيل في مكان لجوئهم الرابع منذ الاحتلال، فالمخطط الجديد للجدار العنصري الفاصل وضعهم بين خيارين احلاهما بطعم الحنظل وقساوة الاحتلال، اما أن يَتركوا محل إقامتهم ويلتحقوا ببلدة أبو ديس، وبالتالي فقدان أراضيهم والتخلص من أغنامهم، أو أن يبقوا خارج الجدار مما يعني عزلهم عن الضفة والقدس وانقطاع صلتهم ببلدات القدس التي سيحيط بها الجدار من كافة الجهات.

لصمودهم الاسطوري في ضواحي القدس العربية، اية تسطر في سفر هذا الشعب العظيم، فلا الحياة رغيدة ولا المكان امن، ولا السكن مستقر، إلا ان ايمانهم بأن الارض لا توهب للاحتلال ولا تقدم للغازي ولو دفعوا ثمن بقائهم اخر قطرة دم تبقى شاهدة على وجودهم هنا منذ ما قبل ان تكون اسرائيل، والى ما بعد ان تقام الدولة الفلسطينية المستقلة التي ينشدونها لينعموا بنوم هانئ وحياة طبيعية كما باقي البشر في هذه المعمورة.

ودعنا محمد مزارعة بوداعة وحرارة، متمنيا ان يكون اللقاء التالي بالقدس بلا جدار ولا مستوطنات، وقال لنا مبتسما ” لقد استصدرنا ترخيصا من السلطة الفلسطينية لبناء نادي لعرب الجهالين، وسيتمكن ابني امجد من اللعب في ارضه كما كنا اطفالا، نحن هنا في هذه الارض لن نرحل، في القدس مولدنا، وفي القدس مماتنا، وفيها سيعيش ابنائنا واحفادنا “.

المصدر : جامعة القدس

شاهد أيضاً

عرب الجهالين بانتظار ترحيل جديد

قبل نحو ستين عاما هُجّر عبر الجهالين عنوة من موطنهم الأصلي بمنطقة عراد، في بئر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *